أرشيف

Archive for 1 نوفمبر, 2011

عبد الرحمن منيف – شرق المتوسط

«شرق المتوسط» لـ «عبد الرحمن منيف» هي أكثر من مجرد رواية. هي وصفٌ لجزءٍ بسيط من معاناة آلاف البشر في بقعة من هذه الأرض تقع، صدفةً، على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. تُعتبر هذه الرواية إحدى أهم ما كُتب في مجال ما يُسمى «أدب السجون».

استطاع منيف من خلالها استحضار كل ما لدينا من مشاعر: الحب، الكره، السعادة، القرف، الاشمئزاز، التعاسة والخوف. هي كتلة هائلة من الأحداث المؤلمة والإنسانية الضائعة، تتركك في نهايتها متخطباً متسائلاً: ما العمل؟

حيث تعيش، وليس بعيداً للغاية منك، هناك أبنية لا يجرؤ انسانٌ على الدخول إليها، يجري في أقبيتها وغرفها الصغيرة الصفراء البائسة ما لا يمكن أن يخطر على بالك. هناك تنعدم قيمة الانسان وتهوي الحضارات كلها مصطدمة بالقهر والعنف والتعذيب، أدوات الديكتاوريات المفضلة.

يتقاسم بطل الرواية، إن صحّت التسمية، «رجبْ» السجين سياسي سرد الأحداث مع أخته «أنيسة» بالتناوب. لم يحدد منيف مكاناً أو زماناً للرواية، ففي مقدمتها ذكر: “إنَّ هذه الرواية لا تعني أحداً. وتعني كلَّ الناسِ أيضاً.”

مقتطفات من الرواية:

ــ المرأةُ تفكر بالأشياء الحزينةْ. إذا لم تجد ما يكفيها من الحزن، بحثت عنه عند الآخرين.

ــ لا أحد يصدقُّ أنّ كلماتْ، مجرّد كلماتْ، يمكنُ أن تغيّر الإنسان إلى هذه الدّرجة.

ــ هل بمكنُ للإنسان أن يعيش بهدُوءٍ في هذا البلد اللّعين؟ لا أحد ينجو، الذي يعملُ في السياسة والذي لا يعمل، الذي يحبُّ هذا النظام والذي لا يحبُّه.. بلدٌ مجنون ويجبُ أن يُدمَّر!

ــ أصحبتِ الحياةُ عاريةَ لدرجة أنَّ الإنسان بدأ يخافُ من نفسهْ، يظنُّهم موجودينَ دائماً، حين ينامْ، ويحلمْ، حين يسير بالشارعْ، بل وحين يموتْ.

ــ ظننتُ أنَّ بكاءهُ كان تطهيراً أخيراً لرُوحهِ، لأنَّ أيَّ انسانٍ يموتْ، لا ينتهي بنظرِ الذينَ يحبُّونه إلّا إذا غسلوهُ بالدموعْ، الدموعُ هي ذرّات التُراب الأخيرة التي تحلّل الميْتَ وتقول أنَّه انتهى.

ــ [الشّعر] سيلٌ من الأحاسيس الدّاخلية، في لحظاتٍ هاربة، فإذا لم يستطع الانسانُ السيطرةَ على هذه اللّحظات، توارتْ وانتهتْ..

ــ الكلمةُ آخرُ الأسلحة.. لنْ تكونَ أقواها، لكنّها سلاحُ الذين تلوّثت دماؤهم، ماتت أمّهاتهم. سلاحُ الأطفالِ الذين يريدونَ أن يفعلوا شيئاً!

ــ كان صمتي سلاحيَ الوحيدَ الذي مزَّق أحشاءهمْ.. رموني مثل كرةٍ من سجنٍ لآخر، من غرفةٍ لأخرى، تعبوا وهم يضربونني، وفي السُّجونِ البعيدةٍ حلُمتْ، وفي المدنِ الكبيرةِ حلُمتْ، وفي الطرق الصحراويّةِ داخل سيّارةٍ تشبهُ علبة السّردين حلُمتْ، لم أترك الوقت يمرُّ دونَ أن أحلُمْ. كنتُ أقول في نفسي: سأفضحُهُم، سأقولُ للنّاس، كلِّ النّاسْ، أنَّ البشرَ بالنسبةِ لهؤلاء الأبالسة أرخصُ الأشياءْ، أتفهُ الأشياءْ.

ــ أريدكَ أن تكونَ حاقداً وأنت تُحارب، الحقد أحسنُ المعلّمين. يجب أن تحوّل أحزانكَ الى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أنْ تنتصر، أمّا اذا استسلمت للحزن، فسوف تُهزم وتَنتهي، سوف تُهزم كإنسان، وسوف تَنتهي كقضيّة.

ــ تفترسُني تظرةٌ جانبيّةٌ من امرأةٍ مسنّة، وهي تراني أكتب من اليمينِ إلى اليسار، تنظر باستغراب وهي تقلبُ شفتَيها.. أريد أن أقُولَ لها أنّ طريقتنا في الكتابةِ يا سيّدتي وحدها ذاتُ قيمةٍ ولمْ تتغيّر، كلُّ شيءٍ عداها لا قيمةَ لهُ، خاصّةً الانسان. الانسانُ في بلادنا أرخصُ الأشياء، أعقاب السجائر أغلى منهْ.

ــ سقوطُ الانسانِ مثل سقوط الأبنية، تهتزُّ في الظُلمة، ترتجف، ثمَّ تهوي وتسقُطْ. ويرافقُ سقوطها ذلكَ الضجيجُ الأخّاذ، ويعقبُهُ الغُبارُ والموتُ واللعنةْ.

ــ “هلْ أستطيعُ أن أسأل لماذا كنتَ سجيناً؟”
لو قلت: كنتُ سجيناً سياسياً، هل يفهم معنى هذه الكلمات؟ لو قلت لهُ إني محكومٌ احدى عشرةَ سنةً قضيتُ منها خمساً، لا لسببْ، سوى أني أردتُ، بالفكرة، بالكلمة، أن أجعلَ حياةَ النّاس أكثر سعادةً. لو قلتُ لهُ هل يصدق؟

ــ لماذا لا يقرأُ الجلّادون والحكّام التاريخ؟ لو قرؤُوا جُزءاً من الأشياء التي يجبُ أن يقرؤوها، لوفَّروا على أنفُسِهم وعلى الآخرينَ الشَّيءَ الكثيرْ. ولكن يبدو أنَّ كلَّ شعبٍ يجبُ أن يدفعَ ثمن حريّته، والحريّة، أغلبُ الأحيان، غاليةُ الثمنْ!

ــ هل يتصوّر أنَّ على الشاطء الشرقيّ للمتوسط انساناً واحداً يمكنُ أن يموتَ من الفرح؟ الفرحُ بالنسبة للشعب السجينِ طائرٌ مهاجرْ.. حتى الجلّادون لا أظنُّ أنّهم قادرونَ على الفرحْ.. إنّهم ينامون تحت أقواسِ من السياط، تحت أشباح الصرخات، يأكُلُهمْ الخوفُ أن تُدقُّ أبوابُ بيوتهم أواخرَ الليل ويُنتَزعوا من فراشهم، لكي يدفعوا الدَّيْن الذي في رقابهم!

ــ “أتعرف، لو أنَّ رساماً عندنا رسم هذه اللوحة لضربوه بالحجارة! أتعرفُ لماذا؟”
– لا!
– “لأنَّ الحضارة سلَّمٌ ليس له نهاية، ويجبُ على الشعوب أن تبدأ من أول السُّلَّم، وشعبنا لم يكتشف بعد السُّلَّم ولم يسمع بشيءٍ اسمهُ حضارة، لذلك فإنّ كلّ محاولةٍ لاقناعه بغير ذلك، خطأ..”

لتحميل الرواية اضغط «هنا» أو «هنا». وإذا أعجبتك الرواية فاشتري النسخة الورقية لتدعم أسرة الكاتب، إذا استطعت.

هذه التدوينة مهداة إلى «أ».

التصنيفات :قراءات